الجاحظ
162
المحاسن والأضداد
حتى يخرجه منها ، وطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى توفيه رزقه » . وقال الحسن البصري : « بينا أنا أطوف بالبيت ، إذا أنا بعجوز متعبّدة ، فقلت : « من أنت » ؟ فقالت : « من بنات ملوك غسان » ، قلت : « فمن أين طعامك » ؟ قالت : « إذا كان آخر النهار ، جاءتني امرأة متزينة ، فتضع بين يدي كوزا من ماء ، ورغيفين ، قلت لها : « أتعرفينها » ؟ قالت : « اللهم لا » . قلت : « هي الدنيا خدمت ربك ، جلّ ذكره ، فبعث إليك الدنيا فخدمتك » . وضده ، زعموا أن زياد ابن أبيه مرّ بالجدة ، فنظر إلى دير هناك ، فقال لخادمه : « لمن هذا » ؟ قيل له : « هذا دير حرقة بنت النعمان بن المنذر » ، فقال : « ميلوا بنا إليه نسمع كلامها » ، فجاءت إلى وراء الباب فكلمها الخادم فقال لها : « كلمي الأمير » ، فقالت : « أأوجز أم أطيل » ؟ قال : « بل أوجزي » ، قالت : « كنا أهل بيت طلعت الشمس علينا وما على الأرض أحد أعز منا ، وما غابت تلك الشمس حتى رحمنا عدونا » ، قال : فأمر لها بأوساق من شعير ، فقالت : « أطعمتك يد شبعاء جاعت ، ولا أطعمتك يد جوعاء شبعت » ، فسر زياد بكلامها ، فقال لشاعر معه : قيد هذا الكلام ليدرس ، فقال : سل الخير أهل الخير قدما ولا تسل * فتى ذاق طعم الخير منذ قريب ويقال : إن فروة بن إياس بن قبيصة انتهى إلى دير حرقة بنت النعمان ، فألفاها وهي تبكي ، فقال لها : « ما يبكيك » ؟ قالت : « ما من دار امتلأت سرورا إلّا امتلأت بعد ذلك تبورا » ، ثم قالت : فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف فأفّ لدنيا لا يدوم نعيمها * تقلّب تارات بنا وتصرّف قال : وقالت حرقة بنت النعمان « 2 » لسعد بن أبي وقاص : « لا جعل اللّه
--> ( 2 ) حرقة بنت النعمان بن المنذر اللخمي ملك الحيرة ، شاعرة عبرت في شعرها غن أساها لفقد أهلها العز والملك .